السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
482
مفاتيح الأصول
حجة إلى آخر ما ذكرناه وحاصله أنّ الإجماع واقع على مشاركتنا مع الحاضرين في الأحكام الشّرعيّة بل بقاء الشّرع الأنور إلى يوم القيامة وكوننا متشرعين به ومن أمّته من بديهيّات الدّين وما أجمع عليه المسلمون وظهر من الأخبار المتواترة وسدّ باب اليقين بتفاصيل تلك الأحكام قطعي وجداني لأنّ المعلوم بالظاهر أو الإجماع ليس إلا أمرا إجماليا قدر مشترك بين خصوصيّات لا بد من اعتبارها حتى ينفع ذلك الإجمالي ويتعين ذلك المشترك بصيرورة حكم الشرع بالنّسبة إلى أفعالنا انتهى كلامه رحمه الله وفيه تأييد لما ذكرنا وتقوية لما سطرنا وإن كان في موضع مما ذكره اشتباهات ليس هذه الرسالة محلّ نشرها هذا آخر ما انتهى إليه كلامه ولقد أجاد فيما أفاد وإن كان للتأمل في جملة ممّا ذكره مجال واسع وبالجملة لم يتحقق لنا ظنون مخصوصة ولا أسباب خاصة بحيث يكون الاقتصار عليها غير موجب للخروج عن الدّين والتديّن بدين خير النّبيين صلوات اللَّه عليه وآله الطيبين الطَّاهرين فإن ذلك لا يثبت إلا بدليل قاطع من الأدلَّة الأربعة ومن الظاهر فقد جميعها في هذا الباب أمّا الكتاب فظاهر وقد بيناه وأما السنة فكذلك أيضا إذ لم نجد رواية معلومة السّند والدلالة مفيدة لذلك وأمّا الآحاد فلا تفيد في هذا المقام شيئا وأما الإجماع فللمنع من تحققه بوجه من الوجوه وكيف يمكن دعوى الإجماع في هذا المقام مع هذه الخلافات العظيمة المانعة من حصوله عادة وإن أمكن عقلا مع أن طائفة من محققي أصحابنا على امتناع الاطلاع على الإجماع في نحو هذا الزّمان حتى أنهم في جملة من المسائل الفقهية الَّتي لم نجد خلافا فيها ونجد الرّوايات والفتاوى الواصلة إلينا متفقة الدلالة على حكم لم يقطعوا بالإجماع وهو في محلَّه فكيف يمكن القطع بحجية ظنون مخصوصة مع هذه الاختلافات وقلَّة وجود فتاوى الأصحاب في المسائل الأصوليّة وبعد الاطلاع على الإجماع في نفسه ثمّ لو سلَّم الإجماع على حجيّة الظنّ المستفاد من الكتاب والسّنّة المتواترة وأخبار الآحاد فغايته قضية مهملة ومن البديهيات أن المهملة في قوة الجزئية ومن الظاهر أن القضايا الجزئية غير نافعة في هذا المقام بالضرورة وأمّا العقل فلظهور أنه لا يدلّ على حجيّة ظن بخصوصه وإن دلّ على حجيّة الظن فإنما يدلّ على حجيّة الظَّنون الَّتي لم يقم القاطع على عدم حجيّتها وهو المطلوب وإذا ثبت بطلان القول بلزوم الاقتصار على الظَّنون المخصوصة تعين الاعتماد على كل ظن لم يثبت عدم حجيّته بالدليل القاطع لوجهين الأول أن العقل يحكم بذلك بعد العلم ببقاء التّكليف وعدم جواز التمسّك بأصالة البراءة وقاعدة الاحتياط في المسائل الَّتي انسدّ فيها طريق العلم الثّاني الإجماع المركب فإن كلّ من منع من الظَّنون المخصوصة قال بأصالة حجيّة كلّ ظن ويظهر ذلك من جملة من العبارات المتقدم إليها الإشارة لا يقال كيف تدعي أن الاقتصار على الظنون المخصوصة مع مراعاة الأدلَّة القاطعة يوجب الخروج عن الدّين مع أن ذلك مذهب جماعة من محققي أصحابنا ونقطع بعدم خروجهم عن الدّين لأنا نقول هؤلاء زعموا أنّ جملة من الظنون كالظن الحاصل من ظاهر الكتاب مطلقا والظن الحاصل من كثير من أخبار الآحاد والظن الحاصل من الإجماعات المنقولة من الظنون المخصوصة باعتبار قيام الدليل القاطع من الإجماع المحقّق أو ظاهر الكتاب على حجيتها بالخصوص وإذا ثبت هذا لم يلزم من الاقتصار عليها الخروج من الدين قطعا ولكن نحن لا نوافقهم فيما زعموه ونمنع من قيام الدليل القاطع على ما ذهبوا إليه بالخصوص فإنّ حصول الإجماع المحقق في أمثال هذه الأمور يكاد أن يلحق بالمحالات العادية فلم يبق إلا ظاهر الكتاب ونحوه من السنّة المتواترة ونحن نمنع من دلالته على جميع ما ذهبوا إليه ومع هذا فنجد طائفة من أولئك الجماعة الوقوع في ضيق الخناق فتارة يستشكل في المسألة ولم يفت بشيء وأخرى يخرج عن طريقة ويعوّل على ظنون لم يقم القاطع على حجيّتها بالخصوص قطعا أو ظاهرا وقد أشار إلى هذا والدي رحمه الله ولا يقال غاية ما يلزم بعد انسداد باب العلم والعلمي ببقاء التّكليف العمل بظن وحيث كان الظَّن متعدد الأنواع ولم يقم على حجيّة بعضها الَّذي لا يلزم من الاقتصار عليه الخروج من الدّين دليل قاطع بالخصوص كان اللازم التخيير بينها أو استعمال القرعة في التميز فإنّها لكلّ أمر مشكل مشتبه كما في الرّواية لا الحكم بأصالة حجيّة جميعها لمنافاته للأدلَّة القاطعة من العقل والنقل على أصالة عدم حجيّة الظَّنّ فيكون اعتبار الظنون من باب الضرورة كأكل الميتة في المخمصة وقد تقرّر عند العقلاء أن الضرورة تتقدر بقدرها لأنّا نقول احتمال التخيير واحتمال استعمال القرعة باطل قطعا أمّا أولا فلأنه لا قائل بهما من المسلمين وقد انعقد الإجماع على خلافهما وأمّا ثانيا فلأن الأخذ بأقوى الظنون في جميع المسائل أقرب إلى الواقع وأوفق بالاحتياط ولا إشكال ولا شبهة في أن العقل يحكم بلزوم ذلك فتأمل ولا يقال الظن الحاصل من ظاهر الكتاب والسّنة المتواترة وأخبار الآحاد وإن كان متعدد الأصناف ولم يقم قاطع على حجيّة كل فرد فرد من الأصناف المذكورة ولكن قام القاطع على حجيّة أصل الصنف وهو الإجماع القطعي الدّالّ على حجيّة الكتاب في الجملة وعلى حجيّة خبر الواحد في الجملة فيكون الاقتصار على أفراد هذا النّوع أولى ويرجع في أفراد ما لم يقم الدليل القاطع على حجيّته إلى أصالة عدم حجيّة الظن المستندة إلى العقل والنقل لأنا